في أجواء علمية رصينة، وتحت سقف البحث الفلسفي الجاد، نوقشت رسالة الدكتوراه الموسومة بـ«فلسفة الدِّين عند حسين أحمد الخشن»، والتي قدّمها الباحث الدكتور محمد أحمد عبيد، متناولًا فيها أحد المشاريع الفكرية الإصلاحية البارزة في الفكر الإسلامي الشيعي المعاصر، في قراءة تحليلية نقدية تستهدف الكشف عن أسسه الفلسفية، وأبعاده المقاصدية، ودوره في تجديد الخطاب الديني وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش.
وتأتي هذه الرسالة في سياق فكري عربي وإسلامي مثقل بإشكالات الهوية، وتحديات الحداثة، وتداعيات الانقسام المذهبي؛ حيث عانت الأمة الإسلامية –في مسار نهضتها الحديثة– من جراحات فكرية وحضارية عميقة، تداخل فيها السياسي بالمعرفي، والداخلي بالخارجي، ما أفضى إلى اضطراب العلاقة بين التراث ومتطلبات العصر، وفتح الباب أمام قراءات متعجلة للدين، إما منغلقة على الماضي أو منسحبة كليًا أمام النموذج الغربي. ومن هنا انطلقت إشكالية الرسالة، محاولةً إعادة ضبط هذه العلاقة من خلال دراسة نموذج إصلاحي معاصر يمثله المفكر اللبناني الدكتور حسين أحمد الخشن.
وقد عالجت الدراسة سؤالًا محوريًا يتعلق بفلسفة الدين عند الخشن، وكيفية مقاربته لقضايا الحداثة، وتجديد الخطاب الديني، ودور العقل الديني في مواجهة العنف والتطرف، وصولًا إلى فلسفة التعايش والحوار. ولم يكن اختيار الفكر الشيعي المعتدل موضوعًا للدراسة اختيارًا مذهبيًا ضيقًا؛ بل انطلق من وعيٍ علميٍّ يرى في التقريب المذهبي ضرورة حضارية ملحّة، وفي الحوار بين المدارس الإسلامية ركيزة لإعادة بناء الوعي الديني الجمعي، وتحصينه من الانغلاق والتوظيف الإيديولوجي.
وقد بيّنت الرسالة أن مشروع حسين أحمد الخشن يمثل حالة فكرية خاصة في المشهد الشيعي المعاصر؛ إذ يجمع بين الوفاء للتراث والانفتاح النقدي عليه، وبين العمق الفلسفي والحضور الاجتماعي الفاعل. كما كشفت عن جرأته النقدية؛ حتى داخل بيئته المذهبية، ولا سيما في موقفه من بعض المرويات والخطابات التي تُكرّس الانقسام وتُغذّي ثقافة الإقصاء؛ مثل حديث افتراق الأمة، الذي عدّه أحد مصادر الشرعنة التاريخية للانقسام الطائفي. وفي مقابل ذلك؛ دعا الخشن إلى قراءة النصوص الدينية في ضوء مقاصدها الكبرى، التي تضع كرامة الإنسان، والسلم الاجتماعي، والعمران، في صدارة الاهتمام.
وتوصلت الدراسة إلى جملة من النتائج المهمة، أبرزها أن الإسلام – في جوهره – دين مرن، يحمل طاقة أخلاقية وإنسانية قادرة على مواكبة التحولات، وأن فلسفة الدين عند الخشن تقوم على التوازن بين العقل والوحي، وبين النقد والبناء، وبين الفكر والممارسة. كما أبرزت الدراسة نجاح الخشن في المواءمة بين التنظير الفلسفي والعمل الاجتماعي، بما جعله صوتًا إصلاحيًا حاضرًا في دوائر النخبة والمجتمع على السواء.
وقد جاءت الرسالة في مقدمة، وخمسة فصول، وخاتمة؛ تناولت المقدمة موضوع الدراسة، وأسباب اختيارها، وأهميتها، وإشكاليتها، والدراسات السابقة، والمنهج المعتمد.
وجاء الفصل الأول للتعريف بالدكتور حسين أحمد الخشن وآرائه الفلسفية، فيما خصص الفصل الثاني لعلاقة الدين بالحداثة، والثالث لتجديد الخطاب الديني، والرابع لدور العقل الديني في مواجهة العنف والتطرف، أما الفصل الخامس فخُصّص لفلسفة التعايش والحوار.
وختمت الرسالة بعرض أبرز النتائج والتوصيات.
وشارك في المناقشة كل من الأستاذة الدكتورة سها عبد المنعم شبايك، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية البنات – جامعة عين شمس، والأستاذ الدكتور أحمد خميس مرعي، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية، حيث أثرى النقاشُ العلميُّ الرسالةَ بملاحظات دقيقة، أسهمت في تعميقها وتجويدها.
وفي ختام المناقشة؛ أشادت اللجنة بقيمة الرسالة العلمية، وأهميتها في إثراء الدراسات الفلسفية المعاصرة، ولا سيما في مجال فلسفة الدين والحوار المذهبي، وأوصت بمنح الباحث درجة الدكتوراه بتقدير مرتبة الشرف الأولى؛ مع التوصية بالطبع والتبادل بين الجامعات، تقديرًا لجهده العلمي، ورصانة معالجته، وأصالته المنهجية.
وتُمثّل هذه الرسالة إضافة نوعية للمكتبة العربية، وخطوة علمية جادة في اتجاه ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز مسار الوحدة الإسلامية، وفتح آفاق جديدة أمام التفكير الفلسفي في قضايا الدين والإنسان والنهضة، في زمن تتعاظم فيه الحاجة إلى خطاب ديني عقلاني، مقاصدي، وإنساني.
قراءة الخبر على موقع الكلية الرسمي: اضـغـط هـنـا.
التصنيف :
مناقشات علميّة
.png)